حبيب الله الهاشمي الخوئي
333
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والنّهى والحكم والالزام صارت ساكتة ذاهبة الأثر بالمرّة . ( ورياحهم راكدة ) قال الشارح البحراني : ركود رياحهم كناية عن سكون أحوالهم وخمول ذكرهم بعد العظمة في الصّدور انتهى . والأظهر أن يراد أنّ أعاصيرهم العاصفة الشديدة الهبوب التي كانت تهب بالرّتق والفتق والسّياسات صارت ساكنة . ( وأجسادهم بالية ) بعد بضاضتها ونضارتها ( وديارهم خالية ) من أهلها بعد عمارتها ( وآثارهم عافية ) مندرسة بعد عظمتها وجلالتها . ( فاستبدلوا بالقصور المشيدة ) المجصّصة الرّفيعة البنيان المحكمة القواعد والأركان ( والنمارق الممهّدة ) أي الوسائد المهيئة للمتكئين ( الصخور والأحجار المسنّدة ) اى المستندة بعضها إلى بعض أو أنها كانت لهم سنادا ( والقبور اللَّاطئة الملحدة ) أي اللاصقة بالأرض المعمول لها اللَّحد ( التي قد بنى بالخراب فناؤها ) أي على الخراب ، والمراد خراب نفس القبور وتسرّع انهدامها ، وانما نسب البناء إلى الفناء ولم يقل قد بنيت بالخراب ، لأنّه من باب الكناية باقتضاء البلاغة وقد عرفت في ديباجة الشرح في مبحث الكناية أنّهم يقصدون إثبات شيء لشيء فيتركون التصريح باثباته له ويثبتونه لمتعلَّقه كما في قول الشّاعر : إنّ المروّة والسّماحة والندى في قبّة ضربت على ابن الحشرج جعل الأوصاف الثلاثة في قبّة الممدوح وكنى به عن ثبوتها له وقول الاخر في وصف الخمر صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسّها حجر مسّته سرّاء كنى عن نفى الحزن عنها بنفيها عن ساحتها وهو أبلغ من التّصريح به ويحتمل أن يكون المراد خراب الأبدان المدفونة فيها وفناؤها بالبلى ( وشيّد بالتراب بناؤها ) وفي وصفها بذلك أي بكون شيدها التراب دون الجصّ ايماء إلى هوانها وهوان من دفن فيها .